مجمع البحوث الاسلامية

168

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

الصّالحة لإيجاد الكفر إمّا أن تكون صالحة لإيجاد الإيمان أو لا تكون . فإن كانت صالحة لإيجاد الإيمان فحينئذ يعود القول في أنّ إيمان العبد منه ، وإن لم تكن صالحة لإيجاد الإيمان فحينئذ يكون القادر على الشّيء غير قادر على ضدّه ؛ وذلك عندهم محال ، ولأنّ على هذا التّقدير تكون القدرة موجبة للمقدور ، وذلك يمنع من كونه قادرا عليه ، فثبت أنّه لمّا لم يكن الإيمان منه ، وجب أن لا يكون الكفر منه . الثّالث : أنّه لمّا لم يكن العبد موجدا للإيمان فبأن لا يكون موجدا للكفر أولى ؛ وذلك لأنّ المستقلّ بإيجاد الشّيء هو الّذي يمكنه تحصيل مراده ، ولا نرى في الدّنيا عاقلا إلّا ويريد أن يكون الحاصل في قلبه هو الإيمان والمعرفة والحقّ ، وإنّ أحدا من العقلاء لا يريد أن يكون الحاصل في قلبه هو الجهل والضّلال والاعتقاد الخطأ ، فإذا كان العبد موجدا لأفعال نفسه وهو لا يقصد إلّا تحصيل العلم الحقّ المطابق ، وجب أن لا يحصل في قلبه إلّا الحقّ ، فإذا كان الإيمان الّذي هو مقصوده ومطلوبه ومراده لم يقطع « 1 » بإيجاده ، فبأن يكون الجهل الّذي ما أراده وما قصد تحصيله وكان في غاية النّفرة عنه والفرار منه ، غير واقع بإيجاده وتكوينه كان ذلك أولى . والحاصل : أنّ الشّبهة في أنّ الإيمان واقع بقدرة العبد أشدّ من الشّبهة في وقوع الكفر بقدرته ، فلمّا بيّن تعالى في الإيمان أنّه من اللّه ، ترك ذكر الكفر للوجه الّذي ذكرناه ، فهذا جملة الكلام في بيان دلالة هذه الآية على مذهب إمامنا . أمّا ما احتجّ الجبّائيّ به على مذهبه من قوله : وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ فالجواب عنه من وجهين : الأوّل : أنّه تعالى قال حكاية عن إبراهيم عليه السّلام : وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ الشّعراء : 80 ، أضاف المرض إلى نفسه والشّفاء إلى اللّه ، فلم يقدح ذلك في كونه تعالى خالقا للمرض والشّفاء ، بل إنّما فصل بينهما رعاية الأدب ، فكذا هاهنا ، فإنّه يقال : يا مدبّر السّماوات والأرض ، ولا يقال : يا مدبّر القمل والصّئبان والخنافس ، فكذا هاهنا . الثّاني : أكثر المفسّرين قالوا في تفسير قول إبراهيم : هذا رَبِّي الأنعام : 78 ، أنّه ذكر ( هذا ) استفهاما على سبيل الإنكار ، كأنّه قال : أهذا ربّي ؟ فكذا هاهنا ، كأنّه قيل : الإيمان الّذي وقع على وفق قصده قد بيّنّا أنّه ليس واقعا منه ، بل من اللّه ، فهذا الكفر ما قصده وما أراده وما رضي به ألبتّة ، أفيدخل في العقل أن يقال : إنّه وقع به ؟ فإنّا بيّنّا أنّ الحسنة في هذه الآية يدخل فيها الإيمان ، والسّيّئة يدخل فيها الكفر . أمّا قراءة من قرأ : ( فمن تعسك ) فنقول : إن صحّ أنّه قرأ بهذه الآية واحد من الصّحابة والتّابعين فلا طعن فيه ، وإن لم يصحّ ذلك فالمراد أنّ من حمل الآية على أنّها وردت على سبيل الاستفهام على وجه الإنكار ذكر في تفسير الاستفهام على سبيل الإنكار هذا الكلام ، لأنّه لمّا أضاف السّيّئة إليهم في معرض الاستفهام على سبيل الإنكار ، كان المراد أنّها غير مضافة إليهم ، فذكر هذا القائل قوله : ( فمن تعسك ) لا على اعتقاد أنّه من القرآن ،

--> ( 1 ) كذا ، والظاهر : لم يقع .